السيد نعمة الله الجزائري
128
عقود المرجان في تفسير القرآن
« مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ » . يعني اليهود حمّلوا التوراة ؛ أي : كلّفوا العمل بما فيها . « ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها » ؛ أي : لم يعملوا بها وبأحكامها . « كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً » . لأنّ الحمار الذي يحمل كتب الحكمة على ظهره ، ولا يحسّ بما فيها . فمثل من يحفظ الكتاب ولا يعمل بموجبها ، كمثل من لا يعلم ما فيها . قال ابن عبّاس : من تلا القرآن ولم يفهم معناه وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه ، كان هذا المثل لاحقا به . « بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ » ؛ أي : بئس القوم قوم هذا مثلهم لأنّه سبحانه ذمّ مثلهم . « لا يَهْدِي » ؛ أي : لا يفعل بهم من الألطاف التي يفعلها بالمؤمنين . وقيل : لا يثيبهم ولا يهديهم إلى الجنّة . « 1 » « مَثَلُ الَّذِينَ » . شبّه اليهود في أنّهم حملة التوراة وقرّاؤها وحفّاظ ما فيها ثمّ إنّهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها - وذلك أنّ فيها نعت رسول اللّه والبشارة به ولم يؤمنوا به - بالحمار حمل أسفارا ، أي : كتابا كبارا من كتب العلم ، فهو يمشى بها ولم يدري ما فيها ولا يدري منها إلّا ما يمرّ منه بجنبيه وظهره من الكدّ والتعب . وكلّ من علم ولم يعمل بعلمه ، فهو مثله . « كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ » . وهم اليهود كذّبوا بالآيات الدالّة على صحّة نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله . ومعنى « حُمِّلُوا التَّوْراةَ » : كلّفوا عملها . « ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها » ؛ أي : لم يعملوا بها فكأنّهم لم يحملوها . « 2 » [ 6 ] [ سورة الجمعة ( 62 ) : آية 6 ] قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) « هادُوا » ؛ أي : سمّوا يهودا . « أَوْلِياءُ لِلَّهِ » ؛ أي : أنصاره . « إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » أنّكم أبناء اللّه وأحبّاؤه . فإنّ الموت يوصلكم إليه . « 3 » قال : إنّ في التوراة مكتوبا : أولياء اللّه يتمنّون الموت . « 4 »
--> ( 1 ) - مجمع البيان 10 / 430 . ( 2 ) - الكشّاف 4 / 530 . ( 3 ) - مجمع البيان 10 / 433 . ( 4 ) - تفسير القمّيّ 2 / 366 .